لماذا تشعر إسرائيل بالقلق من عودة سوريا

لطالما اعتمدت إسرائيل في استراتيجيتها الإقليمية على مبدأ إبقاء الدول المجاورة ضعيفة وغير مستقرة، لضمان تفوقها الأمني والعسكري. ومنذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، وجدت تل أبيب نفسها أمام مشهد يخدم مصالحها: تفكك الدولة السورية، تراجع سلطتها المركزية، وانتشار الجماعات المسلحة، ما أتاح لها هامشاً واسعاً من المناورة دون الحاجة إلى التدخل المباشر. ولكن اليوم، يبدو أن الأمور بدأت تأخذ منحى مختلفاً، ما يثير قلق إسرائيل من مستقبل لا يشبه الواقع الذي استفادت منه لعقد من الزمن.


سوريا الجديدة.. لماذا تختلف عن مرحلة ما بعد 2011؟


مع بدء تشكّل حكومة جديدة في سوريا برئاسة أحمد الشرع، تظهر ملامح نهج سياسي وعسكري يهدف إلى استعادة الدولة السورية لسيادتها ووحدتها، بعيداً عن التبعية الكاملة لأي طرف خارجي. هذا التحول يمثل تهديداً استراتيجياً لإسرائيل، التي اعتادت على التعامل مع سوريا كدولة ضعيفة تعاني من انقسامات داخلية.


ففي حين أن إسرائيل تمكنت خلال السنوات الماضية من التكيف مع واقع الميليشيات الطائفية المسلحة والتدخلات الخارجية في سوريا، إلا أن عودة دولة مركزية قوية بجيش موحد يغيّر المعادلة تماماً. إذ أن وجود جيش وطني بعيد عن الطائفية، وقادر على فرض سيطرته على كامل الأراضي السورية، يعني أن إسرائيل ستواجه خصماً أكثر تنظيماً وقدرة على اتخاذ قرارات سيادية مستقلة.


الورقة الدرزية.. هل تراهن إسرائيل على تفتيت الداخل السوري؟


حينما تواجه إسرائيل صعوبة في التعامل مع خصم قوي، فإنها تلجأ إلى استراتيجيتها المعتادة: اللعب على التناقضات الداخلية. وفي هذا السياق، ازداد اهتمامها في الفترة الأخيرة بالدروز في سوريا، خاصة في محافظة السويداء. التقارير الاستخباراتية تشير إلى أن إسرائيل خصصت نحو مليار دولار لدعم مشاريع "إنسانية" في المنطقة، لكن الهدف الحقيقي يبدو أنه يتمحور حول خلق كيان مستقل في الجنوب السوري، على غرار ما حاولت فعله في جنوب لبنان خلال السبعينيات والثمانينيات.


إلا أن هذا المخطط يواجه عقبات كبيرة، أهمها أن المزاج العام لدى دروز سوريا يميل إلى التمسك بالهوية الوطنية، لا إلى الانفصال. وحتى دروز فلسطين المحتلة لم يتحولوا إلى أداة في يد إسرائيل رغم العقود الطويلة من محاولات استمالتهم. وعليه، فإن هذا الرهان قد يكون محفوفاً بالمخاطر، وربما يؤدي إلى نتائج عكسية، من خلال تعزيز التلاحم الوطني السوري بدلاً من تعميق الانقسامات.


التقسيم الفيدرالي.. هل هو الهدف الإسرائيلي النهائي؟


إلى جانب اللعب على التناقضات الطائفية، تسعى إسرائيل، كما يبدو، إلى الدفع نحو خيار الفيدرالية كحل سياسي لسوريا، وهو سيناريو جرى الترويج له في الأوساط الغربية منذ سنوات. تقوم هذه الفكرة على تقسيم البلاد إلى كيانات عرقية وطائفية مستقلة، وهو ما سيضمن لإسرائيل بيئة إقليمية أقل تهديداً، حيث لن يكون هناك جيش سوري موحد قادر على تحدي وجودها في الجولان المحتل.


لكن التوجه السوري الحالي يبدو أنه يدرك هذه المحاولات، وبدأ بالفعل في اتخاذ خطوات لمواجهتها، سواء من خلال تعزيز انتشار الجيش في المناطق الحدودية، أو عبر مشاريع المصالحة الوطنية، التي تهدف إلى تفكيك أي بيئة داخلية يمكن استغلالها لصالح مشاريع التقسيم.


التعافي الاقتصادي السوري.. مصدر قلق جديد لإسرائيل

بعيداً عن الجانب العسكري والسياسي، هناك عامل آخر يجعل إسرائيل في حالة استنفار، وهو إمكانية تعافي الاقتصاد السوري. فالحكومة الجديدة تدرك أن لا استقرار بدون اقتصاد قوي، لذلك تعمل على جذب الاستثمارات الخليجية والتركية لإعادة الإعمار، وسط حديث عن مشاريع بنية تحتية كبرى، تشمل إعادة تأهيل الموانئ السورية، وفتح ممرات تجارية مع العراق والأردن وتركيا.

هذا التطور قد يضرب المصالح الإسرائيلية، خاصة مع سعي تل أبيب لترسيخ مكانة ميناء حيفا كمركز رئيسي للتجارة في المنطقة. فإذا نجحت سوريا في استعادة دورها الاقتصادي، فقد يقلل ذلك من أهمية موقع إسرائيل التجاري، ويعيد دمشق إلى موقعها التقليدي كلاعب اقتصادي محوري في المنطقة.


ما خيارات إسرائيل لمواجهة هذا الواقع الجديد؟


مع كل هذه المتغيرات، تدرك إسرائيل أنها لا تستطيع الوقوف مكتوفة الأيدي. لكنها، في الوقت نفسه، تعي أن أي تدخل عسكري مباشر ضد سوريا الجديدة قد يكون مكلفاً، سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي. لذلك، من المرجح أن تلجأ إلى وسائل غير مباشرة، مثل:

الضغوط السياسية: عبر حلفائها الدوليين، خاصة الولايات المتحدة، لدفع سوريا نحو تنازلات معينة.


تحريك الملفات الداخلية: من خلال دعم مجموعات مسلحة أو استغلال الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.


تنفيذ عمليات عسكرية محدودة: بذريعة "حماية الأمن القومي"، كما فعلت سابقاً في استهداف مواقع عسكرية داخل سوريا.


لكن السؤال الأهم يبقى: هل ستنجح إسرائيل في احتواء هذا التغيير؟


صراع بين مشروعين.. أيهما سينتصر؟


في النهاية، الصراع بين إسرائيل وسوريا ليس مجرد مواجهة سياسية أو عسكرية، بل هو صراع بين مشروعين متناقضين:


مشروع إسرائيلي يسعى إلى تفتيت المنطقة وإبقاء الدول المحيطة في حالة ضعف دائم.

ومشروع سوري يحاول إعادة بناء الدولة واستعادة السيادة الوطنية.


ورغم المحاولات الإسرائيلية المستمرة للحفاظ على الوضع الذي خدم مصالحها لسنوات، فإن التاريخ يشير إلى أن الدول التي تنهض من أزمات كبرى غالبًا ما تعود أقوى، وأكثر قدرة على فرض إرادتها. فهل ستكون سوريا الجديدة قادرة على قلب المعادلة؟ هذا ما ستكشفه السنوات القادمة.





Post a Comment

Previous Post Next Post