عرض الخيانة: بشار الأسد يقدّم الجولان لإسرائيل تحت ضغط انهياره أمام معركة ردع العدوان






في لحظةٍ تتجلى فيها أعمق صور الانهيار والخيانة، يكشف بشار الأسد عن إفلاسه السياسي والأخلاقي. النظام الذي طالما ادّعى "المقاومة والممانعة" ألقى بهذه الشعارات الزائفة في سلّة مهملاته، مقدماً لإسرائيل عرضاً يفضح استعداده لبيع سوريا مقابل بقائه في السلطة. لكن ما الذي دفع بشار الأسد إلى هذا الانحدار؟ الإجابة واضحة: معركة "ردع العدوان"، التي أطلقتها المعارضة وتقدّمت من خلالها نحو حماة، قلب سوريا، وجّهت للنظام ضربة قاضية دفعته للارتماء في أحضان إسرائيل.

بشار الأسد أرسل رسالة إلى إسرائيل تتضمّن عرضاً مذهلاً في خيانته. أكّد في هذه الرسالة استعداده للتنازل العلني عن الجولان، والدخول في اتفاقية سلام شاملة مع إسرائيل، بل ووعد بطلب علني من إيران بسحب قواتها من سوريا. ليس هذا فحسب، بل طالب إسرائيل بالضغط على الولايات المتحدة وتركيا لإيقاف دعم المعارضة ومنع سقوط نظامه. إنه عرضٌ ذليل من حاكمٍ مهزوم، يقايض سيادة سوريا بكرسي السلطة.

لكن إسرائيل، التي تدرك أن الأسد أصبح ورقة محروقة، لم تستجب فوراً. فالخشية من المعارضة السورية، التي تزداد قوة وتماسكاً، تدفع إسرائيل للتريث. لذا، وضعت شرطين رئيسيين للنظر في العرض: أوّلهما إثبات اعتدال المعارضة واستقلال قرارها السياسي، وثانيهما عدم تصدّر "هيئة تحرير الشام" المشهد العسكري أو الحوكمي. تريد إسرائيل رؤية إدارة تشاركية تُجنّب سوريا مستقبلاً محفوفاً بالمخاطر.

ما دفع الأسد لهذه الخطوة اليائسة هو التقدّم الكبير الذي تحقّقه "ردع العدوان". فالمعارضة المسلحة التي تتقدّم نحو حماة كسرت هيبة النظام وهدّدت سيطرته على أهم المناطق الاستراتيجية. حماة ليست مجرد مدينة، بل مفصل أساسي في الحرب السورية. تحريرها يعني إعادة رسم خريطة الصراع بالكامل، وهو ما تدركه القوى الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، التي اعتبرت أن حماة هي بوابة تغيير كل المعادلات.

هذا التقدّم أتى بعد سلسلة من الهزائم المتلاحقة التي تلقاها النظام. قوات الأسد وروسيا انسحبت من عدة مناطق استراتيجية، مثل الحسكة والقامشلي، وتجمعت في مواقع أكثر أماناً في أثريا وحماة، تحت حماية الطيران الروسي. ومع ذلك، لم تفلح هذه التحركات في حماية خطوط إمداد النظام. مجموعات مجهولة قطعت النفط عن النظام من مناطق "قسد"، واستُهدفت أرتال الإمداد، بما في ذلك قافلة القاطرجي التي تم تدميرها أثناء خروجها.

الحشد الشعبي العراقي، الذي كان أحد أعمدة الدعم للنظام، حاول الدخول إلى سوريا لدعم الأسد، لكنه تعرّض لاستهداف مباشر قبل أن يصل. هذه الهجمات دفعت المسؤولين العراقيين إلى نفي أي تورط في سوريا، حيث أعلنوا بوضوح أن العراق لن يرسل قواته. حتى إيران، التي تواجه ضغوطاً دولية هائلة، اضطرت إلى تقليص تدخلها. الميليشيات الإيرانية انسحبت من عدة مواقع لتتحصن في البادية السورية، بينما فشلت في إدخال تعزيزات جديدة عبر العراق.

وفي ظل كل هذا التخبط، تقوم إسرائيل بتمشيط يومي على الحدود السورية-اللبنانية لمنع تسلل ميليشيات حزب الله. فإسرائيل، التي لا تخفي قلقها من تمدّد هذه الميليشيات، تراقب عن كثب أي تحركات تُستخدم لتبرير تدخلات تحت مسمى "محاربة الإرهاب". لكن كل هذه التحركات تعكس واقعاً واضحاً: حلفاء الأسد يترنحون، والنظام ينهار.

في المقابل، تعمل المعارضة السورية بذكاء واحترافية. معركة "ردع العدوان" لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل جزء من استراتيجية أكبر تهدف إلى تقويض النظام على كل المستويات. استهداف شبكات الإمداد المالي والعسكري للنظام، مثل ملفات شراكة القاطرجي في غسيل الأموال مع الإمارات، يفتح جبهة جديدة من الضغط على داعمي الأسد. حتى الدول التي كانت تقدم دعماً خفياً للنظام تجد نفسها الآن تحت طائلة الملفات التي تعرضها المعارضة بمهارة.

كل هذا يجري بينما النظام يواجه حالة تذمّر داخلي، حتى بين مؤيديه التقليديين. في القرى العلوية، مثل فريكة وشطحة، هرب السكان باتجاه القرداحة خوفاً من انهيار النظام. هذه الفئة التي استغلها الأسد كأداة في حربه القذرة تحتاج اليوم إلى خطاب واضح من المعارضة. الرسالة يجب أن تكون مطمئنة: لا مكان للانتقام أو المحاكمات الجماعية. العدالة ستكون عنوان المرحلة المقبلة، والمحاكمات العادلة ستطال كل من أجرم بحق الشعب السوري، بغض النظر عن طائفته.

اليوم، تقف سوريا على أعتاب مرحلة جديدة. النظام الذي طالما استبدّ بشعبه، يلفظ أنفاسه الأخيرة. معركة حماة، التي تقودها "ردع العدوان"، ستغيّر ملامح الصراع وتفرض واقعاً جديداً لا يستطيع أي طرف تجاوزه. سوريا التي حلم بها الثوار، حرة وديمقراطية، تقترب أكثر من أي وقت مضى. التاريخ لن يغفر لبشار الأسد خيانته، لكن الشعب السوري، بإرادته وصموده، سيكتب فصلاً جديداً من الحرية والانتصار.



Post a Comment

Previous Post Next Post