المعارضة العلوية: اجتماع سري في إسبانيا يبحث مصير الطائفة بعد الأسد

 في شهر شباط من عام 2024، عُقد في إسبانيا اجتماع بالغ السرية جمع أكثر من سبعين معارضاً من أبناء الطائفة العلوية، بعضهم قدم من سوريا، والبعض الآخر شارك عبر الفيديو. كانت الغاية من هذا اللقاء بحث حال العلويين وموقعهم في خضم الثورة السورية وتداعياتها على مختلف أطياف المجتمع.

الانقسامات الحادة بين الحاضرين:

لم يتمخض عن الاجتماع أي بيان ختامي، ولم تُتوصل فيه إلى أي توافق، إذ غلبت عليه خلافات عميقة بين المشاركين، حالت دون الاتفاق على رؤية موحدة. فقد انقسم الحاضرون إلى ثلاثة تيارات، لكل منها نظرة مختلفة حول ما يمكن أن تكون عليه سوريا المستقبل، وحول الدور العلوي ضمن هذه الرؤية.

التيار الأول: الدعوة إلى عقد اجتماعي جديد

يمثل هذا التيار من يرى ضرورة إبرام عقد اجتماعي يضمن العيش المشترك بعد رحيل نظام الأسد، ويؤسس لمصالحة شاملة تضمن حقوق الجميع، بما في ذلك العلويين والسنة وكافة الطوائف. يتصدر هذا التيار شخصيات معروفة مثل كمال رستم وكنان وقاف وثائر مرعي ومنى غانم، وكذلك الكاتب أدونيس، الذين يرون أن المصالحة وإرساء أساس جديد للتعايش هما السبيل لتجنب أي نزاعات مستقبلية، والانتقال بسوريا إلى مستقبل يخلو من مظالم النظام وآثاره.

التيار الثاني: رفض أي ميثاق أو وثيقة جديدة

أما التيار الثاني، فقد أبدى اعتراضاً شديداً على فكرة عقد اجتماعي جديد، بحجة أن مثل هذا الطرح يخدم النظام المجرم ويُصور الأزمة وكأنها قضية طائفية أو خلاف بين طوائف. يقود هذا الرأي شخصيات كحبيب صالح، لويز عبد الكريم، مازن درويش، وريم علي، الذين يرون أن ما يحدث هو ثورة شعبية، تجمع بين جميع السوريين ضد نظام الأسد الظالم، وأنه لا حاجة لمصالحة طائفية، إذ لا نزاع بين أبناء الشعب السوري. هؤلاء يعتبرون أن النظام نفسه هو الذي سعى لتشويه الثورة بوصفها صراعاً طائفياً في محاولة لزرع الشكوك بين السوريين، وأن الطريق إلى مستقبل سوريا الحر يكون بتأكيد الهوية الوطنية الجامعة بعيداً عن التقسيمات الطائفية التي يسعى النظام إلى تكريسها.

التيار الثالث: الدعوة إلى كيان مستقل للعلويين

يمثل هذا التيار أصواتاً ترى أن الخطر الذي يواجهه العلويون بعد رحيل نظام الأسد قد يهدد وجودهم، وأن الحل يكمن في إقامة كيان مستقل يؤمن لهم الحماية. وقد طرح هذا الرأي شخصيات مثل فؤاد حميرة وناصر النقري، حيث عبّروا عن مخاوفهم من احتمالية تعرض العلويين لعمليات انتقام جماعية بسبب تواطؤ النظام مع بعض الأفراد المحسوبين على الطائفة. كما استشهد هذا التيار بما حدث للإيزيديين في العراق، محذرين من أن الطائفة العلوية قد تواجه نفس المصير، رغم أن أغلب أبناء الطائفة لا صلة لهم بجرائم النظام ولم يشاركوا في قمع الشعب السوري. وقد نادى بعضهم بأن العلويين تعرضوا للتهديد حتى وهم في المهجر، كما عبّر فؤاد حميرة قبل وفاته عن شعوره بالإهانة جراء محاولات تحميل الطائفة العلوية بأكملها مسؤولية أفعال النظام، وطالب بالنظر إلى ممارسات هذا النظام بشكل منفصل عن هوية الطائفة، لاسيما أن الطائفة نفسها كانت ضحية للنظام على مر العقود.

النهاية:

يجسد هذا الاجتماع الفاشل مأزقاً حقيقياً في صفوف المعارضة العلوية، ويعكس تعقيد الأزمة التي تضرب سوريا. إذ لم يعد يكفي إسقاط نظام الأسد وحده؛ بل يجب على القوى الثورية توحيد صفوفها ضمن رؤية مستقبلية واضحة، تراعي حقائق الأرض وتُحافظ على تماسك الشعب السوري بجميع مكوناته.

في ظل هذه الخلافات، تبقى الأسئلة مفتوحة حول إمكانية التوافق على حل شامل يعيد لسوريا وحدتها بعيداً عن سياسة النظام المجرم في تفرقة الشعب.



Post a Comment

Previous Post Next Post