حرب الكلمات: المحتوى التحريضي وصناعة الفتنة في سوريا

لم يكن ابن الساحل السوري "أبو علي" يتخيل أن صورة قديمة تداولتها صفحات التواصل الاجتماعي ستكون سبباً في حرق منزله ومقتل جاره. يروي بحرقة كيف انتشرت في مارس الماضي صورة لنعوش ملفوفة بالعلم السوري على أنها من ضحايا اشتباكات الساحل الأخيرة، بينما كانت في الحقيقة تعود لعام 2013. "وصلتني الصورة على الواتساب مع رسالة تقول: 'انظروا ماذا يفعلون بأهلنا'... بعدها بساعات كان الحي كله مشتعلاً".


قصة أبو علي ليست فريدة، بل هي واحدة من مئات الحكايات التي تكشف كيف تحولت وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة حرب موازية في سوريا، تُستخدم فيها الكلمات والصور كأسلحة فتاكة لتأجيج الصراعات وتعميق الانقسامات المجتمعية. في الأشهر الأخيرة، شهدت مناطق الساحل السوري وريف دمشق ومحافظة السويداء موجات من العنف ارتبطت بشكل مباشر بحملات تحريض وأخبار مفبركة انتشرت كالنار في الهشيم.





المحتوى المفبرك: صناعة الأزمات


"شاهدت بنفسي كيف تحول مقطع صوتي مفبرك إلى سبب لاراقة الدماء". هكذا يصف محمد، وهو معلم من أشرفية صحنايا، بداية الأزمة التي ضربت منطقته في أواخر أبريل 2025. انتشر تسجيل صوتي نُسب زوراً للشيخ الدرزي مروان كيوان من السويداء، يتضمن عبارات تحريضية ضد أهالي ريف دمشق. ورغم أن التحقيقات أثبتت لاحقاً أن التسجيل مفبرك وأنتجه شخص يدعى فؤاد مراد يقيم في هولندا، إلا أن الأوان كان قد فات.

خلال ساعات قليلة، انطلقت شرارة العنف مع هجوم مجموعات مسلحة على قوات الأمن العام في صحنايا وجرمانا، ما أسفر عن مقتل 16 شخصاً، بينهم رئيس بلدية صحنايا السابق حسام ورور وابنه، اللذان ظهرا قبل ساعات في تسجيل يرحبان فيه بدخول قوات الأمن إلى البلدة.

إن ما يجعل المحتوى المفبرك خطيراً للغاية هو مزيج من عوامل نفسية واجتماعية:


  • سرعة الانتشار : تنتقل المعلومات المضللة بسرعة تفوق قدرة الجهات الرسمية على تكذيبها أو توضيحها.

  • الاستجابة العاطفية : يخاطب المحتوى التحريضي المشاعر قبل العقل، مستهدفاً المخاوف الأساسية للإنسان. 

  • التصديق الانتقائي: يميل الناس لتصديق المعلومات التي تتوافق مع قناعاتهم المسبقة، حتى لو كانت غير منطقية.


الأساليب المتبعة في التحريض وزرع الكراهية

  1. إعادة تدوير المحتوى القديم : في خضم أحداث الساحل السوري في مارس 2025، انتشرت صور لجنازات ومشاهد عنف من سنوات سابقة على أنها حديثة. كشف تحقيق أجرته وكالة رويترز أن صورة الجنازة الجماعية المنتشرة تعود في الواقع إلى عام 2013 في طرطوس. كما أُعيد نشر مقاطع فيديو لقصف حدث في حلب قبل سنوات على أنها من الساحل، مما ضاعف حالة الذعر والغضب بين السكان. يقول حسن، مدير منظمة محلية للتحقق من المعلومات: "المشكلة أن الناس لا تمتلك الوقت أو المهارات للتحقق من أصل كل صورة أو مقطع فيديو يصلهم، وقد أصبح تزييف المحتوى سهلاً للغاية مع تقنيات الذكاء الاصطناعي الحديثة"                                                                                                                                                                          
  2. بث روايات طائفية متعمدة : من الأساليب الأكثر شيوعاً وخطورة نشر روايات تستهدف إثارة النعرات الطائفية والمذهبية. في أحداث السويداء، تداولت حسابات على تطبيقات المراسلة الفورية مثل واتساب وتيليغرام رسائل صوتية ونصية تزعم وجود مخططات لـ"تطهير" الدروز، بينما روّجت صفحات أخرى لنظريات مضادة تتهم "المسلمين السنة" بالتخطيط للانتقام من الأقلية الدرزية.  ما يزيد من خطورة هذا الأسلوب هو استخدام لغة تبدو محايدة ظاهرياً لكنها تحمل في طياتها رسائل تحريضية، كالإشارة إلى الخلفية الدينية أو الطائفية للأشخاص حتى عندما لا تكون ذات صلة بالحدث. يتم ذلك عبر عبارات مثل "فلان من الطائفة (س) قام بكذا" أو "منطقة (ص) ذات الغالبية من طائفة معينة شهدت أحداثاً"، وهو ما يكرس الانقسام ويعمق الشرخ المجتمعي.                                                                                                                                          
  3. احتكار الرواية وتسييس الإعلام : في أحداث الساحل السوري، سارعت القنوات الرسمية لتقديم روايتها الخاصة، واصفة المعتدين بأنهم "إرهابيون يخططون لإسقاط الدولة"، دون ذكر السياق الأوسع للجمهور وتوضيح الصورة الكاملة وابقاء الجمهور حول عدة اشارات استفهام حول الأحداث مما يخلق فرصة للمحرضين باستغلال هذه الأمور لصالحهم. كما بثت لقطات اعتقال اللواء إبراهيم حويجة، رئيس المخابرات الجوية الأسبق، وصورت الحادثة بأنها "معركة حاسمة" رغم أنها كانت . وفي صحنايا وجرمانا، استخدمت قناة "الفضائية السورية" الرواية الرسمية لتصوير المسلحين على أنهم مجرد "خارجين عن القانون"، متجاهلة التسجيل الصوتي المفبرك الذي أشعل الأزمة أساساً.                                                                                                                                                                                                                                        
  4. تضخيم الأحداث وتصديره : لعبت المنصات الإعلامية الإقليمية والدولية دوراً في تضخيم الأحداث المحلية وإعطائها أبعاداً جيوسياسية. خلال أزمة السويداء، سارعت صفحات على فيسبوك وإنستغرام مثل "القاهرة الإخبارية" و"العربي الجديد" إلى نشر أخبار غير مؤكدة عن تورط دول إقليمية وشخصيات سياسية في الهجمات، مما زاد من تعقيد الوضع وأضاف أبعاداً جديدة للصراع، رغم وجود تعاطي وتدخلات اسرائيلية إلا أنها غير معنية بشرارة الفتنة.


منصات التحريض: المؤثرون الخفيون


حساب "صوت الساحل الحر" على تويتر الذي ظهر فجأة في فبراير 2025، أي قبل أسابيع قليلة من اندلاع أحداث الساحل، أصبح مصدراً رئيسياً للمعلومات المضللة. نشر الحساب أكثر من 200 تغريدة خلال أسبوع واحد من الاشتباكات، معظمها يحتوي على صور ومقاطع فيديو مأخوذة من سياقات مختلفة. ما يثير الشك أن الحساب كان يحظى بتفاعل ومتابعة كبيرة رغم حداثته، وكان يستخدم تقنيات متقدمة للتلاعب بالخوارزميات لضمان وصول منشوراته لأكبر عدد ممكن.


مجموعات واتساب مثل "أخبار الساحل العاجلة" و"صحنايا اليوم" تحولت إلى قنوات لنشر الشائعات والأخبار غير المتحققة. في إحدى الحالات الموثقة، انتشرت شائعة عبر مجموعة تضم أكثر من 5000 شخص تفيد بأن "مسلحين يتجهون لاقتحام قرية في جبلة"، مما دفع العشرات للفرار من منازلهم، قبل أن يتبين أن الخبر كاذب تماماً.


 شهادات من قلب الأزمة


سمير (40 عاماً) من بانياس يروي: "بعد انتشار صور للجثث على فيسبوك، خرج الشباب غاضبين للشوارع. لم يكن أحد يعرف حقيقة ما يجري، لكن الجميع كان متأثراً بما يراه على هواتفهم. لاحقاً اكتشفنا أن بعض الصور كانت من أحداث سابقة في العراق، لكن الضرر كان قد وقع".


سناء (25 عاماً) من ريف دمشق تقول: "وصلتني رسائل صوتية عبر واتساب تحذر من هجوم وشيك على منطقتنا، وتطلب منا مغادرة المنازل فوراً. اتصلت بأقاربي في المناطق المجاورة فوجدتهم تلقوا نفس الرسائل. هربنا جميعاً في منتصف الليل، وبعد أيام عرفنا أن كل شيء كان كذبة".


التأثير النفسي والاجتماعي للمحتوى التحريضي


المحتوى التحريضي لا يؤدي فقط إلى عنف مباشر، بل له تأثيرات نفسية واجتماعية عميقة على المجتمعات المتضررة:


  • فقدان الثقة: مع انتشار المعلومات المضللة، يفقد الناس ثقتهم بمصادر المعلومات الرسمية وغير الرسمية، مما يخلق بيئة من الشك المستمر.

  • الصدمة الجماعية: تظهر دراسات نفسية أن التعرض المستمر لمحتوى عنيف ومروع يسبب صدمات نفسية حتى لمن لم يشهدوا العنف بشكل مباشر.

  • تعميق الانقسامات: تؤدي الروايات الطائفية المتضاربة إلى تعميق الانقسامات المجتمعية وتقويض فرص المصالحة والتعايش.


يقول الدكتور محمود الحلبي، المتخصص في علم النفس الاجتماعي: "ما نشهده هو حالة من الصدمة الجماعية الناتجة عن التعرض المستمر لمحتوى صادم. الناس يعيشون في حالة استنفار دائم، متوقعين الخطر في أي لحظة، وهذا يدفعهم لتصديق أي معلومة تبدو منطقية في سياق مخاوفهم".


حلول مقترحة لمواجهة المحتوى التحريضي


  •  منصات التحقق المستقلة


أثبتت تجارب مثل "تأكد" و"فتبينوا" في سوريا ولبنان فعاليتها في مكافحة الأخبار الكاذبة. هذه المبادرات المحلية تعمل على تدريب متطوعين للتحقق السريع من المعلومات المنتشرة وتكذيب الشائعات قبل أن تسبب ضرراً.


في مارس الماضي، نجحت منصة "تأكد" في دحض شائعة حول اختطاف عائلات في طرطوس خلال ساعات من انتشارها، مما ساهم في منع ردود فعل انتقامية محتملة.



  •  التربية الإعلامية والتثقيف الرقمي


ينبغي دمج مهارات التفكير النقدي والتعامل مع المعلومات في المناهج التعليمية وحملات التوعية العامة. من المهم تدريب المواطنين، خاصة الشباب، على التحقق من صحة المعلومات قبل مشاركتها.


يقول جمال، مدرس في دمشق: "بدأنا تنظيم ورش عمل للطلاب لتعليمهم كيفية التحقق من الأخبار والصور. نعلمهم أساسيات مثل البحث العكسي للصور وتحديد مصدر المعلومة. النتائج مشجعة، فهم الآن يفكرون مرتين قبل مشاركة أي محتوى".


  •  التعاون بين المنصات التكنولوجية والمجتمع المدني


يتطلب الأمر تعاوناً وثيقاً بين شركات التواصل الاجتماعي والمؤسسات المحلية لتطوير آليات فعالة لرصد المحتوى التحريضي والتعامل معه بسرعة.


في تجربة واعدة، تعاونت منظمة "سلام ديجيتال" السورية مع فيسبوك لتدريب مراجعي محتوى يفهمون السياق المحلي ويمكنهم تحديد المحتوى التحريضي بشكل أفضل. نجحت هذه الشراكة في إزالة مئات المنشورات التحريضية خلال أزمة الساحل الأخيرة.


  •  إعلام مسؤول وشفاف


على وسائل الإعلام الرسمية والخاصة الالتزام بمعايير مهنية عالية والابتعاد عن الخطاب الطائفي والتحريضي. من الضروري أيضاً الإسراع في تقديم المعلومات الصحيحة عند انتشار الشائعات، لملء الفراغ قبل أن تتمكن الروايات المضللة من السيطرة.


تقول ريم، صحفية سورية: "المشكلة أن المؤسسات الإعلامية الرسمية تتأخر كثيراً في الرد على الشائعات، وعندما ترد، تكون الرواية قد ترسخت في أذهان الناس. نحتاج إلى آلية استجابة سريعة ومصداقية عالية".


  • دور المجتمع المدني والقيادات المحلية


يمكن للقيادات الدينية والمجتمعية لعب دور محوري في تهدئة التوترات ونشر خطاب التسامح. في أعقاب أحداث صحنايا، نجح اجتماع بين شيوخ من مختلف الطوائف في نزع فتيل التوتر ووقف موجة العنف، من خلال بيان مشترك ينبذ العنف ويدعو للتحقق من المعلومات قبل تصديقها.


كما أن المبادرات الشعبية مثل "معاً ضد الفتنة" التي انطلقت في السويداء وانتشرت في عدة محافظات، أثبتت فعاليتها في مواجهة خطاب الكراهية من خلال حملات توعية وأنشطة مجتمعية تجمع أبناء مختلف المكونات.


 خاتمة: مستقبل المعلومات في سوريا


تظل مواجهة المحتوى التحريضي والمفبرك تحدياً مستمراً في سوريا، خاصة مع استمرار الأزمات الأمنية والاقتصادية التي تشكل بيئة خصبة لانتشار الشائعات والكراهية. لكن التجارب الأخيرة أظهرت أيضاً وعياً متزايداً بخطورة هذه الظاهرة وتحركاً إيجابياً من مختلف الأطراف لمواجهتها.


ما حدث في الساحل وصحنايا والسويداء يمثل تحذيراً قاسياً من مخاطر "حرب المعلومات" التي لا تقل فتكاً عن الحرب التقليدية. لكنه أيضاً يمثل فرصة لبناء نظام مناعة مجتمعي قادر على الصمود في وجه محاولات نشر الفتنة والكراهية.


إن المعركة ضد المحتوى المضلل والتحريضي هي معركة طويلة الأمد، تحتاج إلى جهود متكاملة من الحكومات والمجتمع المدني والمواطنين أنفسهم. وكما يقول المثل السوري: "الكذبة بتأكل نص الدار"، فالمعلومات المضللة قادرة على تدمير نسيج مجتمعي بأكمله ما لم نواجهها بالحقيقة والوعي والتضامن.


---


*أعد هذا التقرير استناداً إلى مقابلات ميدانية ومصادر موثوقة، وهو يهدف إلى تسليط الضوء على ظاهرة المحتوى التحريضي وسبل مواجهتها، في سياق الأحداث الأخيرة التي شهدتها عدة مناطق سورية.*



إعداد وكتابة: 

  • حذيفة أيوب 
  • لبيد الإسلام



Enregistrer un commentaire

Plus récente Plus ancienne