قصة قصيرة - "مأتمة الأمل"

المقدمة

يا ليل الغوطة الشرقية، كيف طوّقتَ المدينة بعباءتك القاتمة، وكيف أطبقتَ بأنفاسك الثقيلة على أرواح أهلها حتى خنقت البهجة في مهدها؟ أكان قدَرًا محتومًا أن تسقط السكينة صريعة بين أزقتك، وأن تُستباح الأحلام تحت سواد ظلمتك؟ أم هو الدهر، إذ يعيد كرّته على من طابت لهم الأيام، فيسلبهم من نشوة السعادة ما ظنّوا أنه أبد الدهر باقٍ؟

كانت الغوطةُ آنفًا موئلَ الصفاء، ومسرحَ الطمأنينة، تتراقص بين دروبها الضحكات، وتعانق جدرانها أنفاس الفرح، حتى أتى الليل الذي لم يكن ككل ليل، ليلٌ انتُزِعتَ منه السكينة، ليلٌ تشققت تحت وطأته الأرض، فتدفق من شرايينها رعبٌ لم تعهده من قبل. وما كان السكونُ الذي حلّ بعدها إلا نذيرَ موتٍ يتربص خلف الجدران، يترقب ما بقي من الأنفاس ليمتصها، ويقتات على بقايا الذكرى المنكسرة.

في تلك الساعة المشؤومة، ماجت الأزقة برجع الصدى الحزين، اختلطت العبرات بالآهات، وتكسّرت الأصوات في حناجر ذاهلة، بين أمٍّ تنادي من لن يعود، وطفلٍ يصرخ في الفراغ فلا يجيبه إلا العدم. كان المشهد أبشع من أن تستوعبه الأذهان، وأقسى من أن تحتمله القلوب، فما بقيت جدرانٌ إلا واستنجدتْ، وما بقي حجرٌ إلا وشهد، وما بقيت ريحٌ إلا وحملت معها أنين المقهورين إلى حيث لا يسمعهم أحد.

يا له من ليلٍ جائرٍ، سرق الضياء من الأعين قبل أن يسلب الأرواح، وشوّه ملامح المكان حتى صار لا يُعرف له وجه، فما عاد الفجر يشرق كما كان، وما عادت الشمس تدفئ كما كانت، وما عادت الأرض تحتضن أهلها إلا ببرودٍ ينذر بالمزيد.

وهكذا، بقيت الغوطة تنوح على أطلال مجدٍ سُلب منها، وعلى أيامٍ باتت ذكرى متآكلة الأطراف، وعلى أمانٍ تهاوى كصرحٍ شُيّد على رمال متحركة. أما المجرم، ذاك الذي تسلل كالوباء، فهل رحل حقًا؟ أم أنه لا يزال يتربص في الظل، منتظرًا ليلة أخرى، يُعيد فيها الكَرَّة، ويغرس خنجره في قلب مدينة لم تُخطئ إلا في أنها كانت سعيدة ذات زمن؟




الفصل الأول: ليلُ المدينة الأخير  




١  

كانت الليلةُ كابوسًا بلا نهاية، كأنَّ الزمن تخلّى عن تدفقه الطبيعي، وراح يتثاقل فوق صدورنا، يُسقط علينا ثقله مع كل نبضة قلب. صرخاتٌ تتشابك مع أزيز القذائف، وهديرٌ لا يكفُّ عن تمزيق السماء، والأرض تهتزُّ من تحتنا كأنها تتوجع من كل ضربة. الهواء نفسه صار مشبعًا برائحة البارود والموت، ولم يكن ثمة سبيل للهروب، إذ أصبح الهلاك يحيط بنا من كل اتجاه.  


جلستُ هناك، في ركنٍ مظلم من غرفتي، أراقب الجدران التي صارت أقرب إلى قبورٍ تنتظر انهيارها. لا أعلم كم من الوقت مرَّ، فقدَ الزمن معناه وسط هذه الفوضى، وصارت الدقائق أشبه بعمرٍ يُسحق ببطء تحت رحى الألم. الأصوات من الخارج كانت خليطًا عجيبًا من الرعب والبكاء والتوسلات، لكنها لم تعد تُثير داخلي سوى الفراغ.  


الفراغ وحده.  


٢  

تحاملتُ على نفسي ووقفتُ، خطواتي كانت ثقيلة، وكأن الخوف يقيِّدني بسلاسل خفية. تقدمتُ نحو النافذة، النافذة التي لم تعد نافذة، بل فجوة في الجدار تُطلُّ على الجحيم. أخرجتُ رأسي قليلًا، فأصابني الهواء المحمّل برائحة الدماء والغبار، وغمرتني صورة الدمار الممتد إلى ما لا نهاية.  


كان الشارع الذي اعتدنا أن نمرح فيه قد صار بحرًا من الأنقاض، وبين الركام، رأيتُ جثثًا لا تزال تحتفظُ بمعالمها، وأخرى لا يمكن تمييزها سوى بأنها كانت يومًا بشرًا. رأيتُ طفلًا راقدًا على الأرض، عيناه تحدِّقان في الفراغ، وجسده الصغير لا يتحرك، وإلى جواره دمية ممزقة، نصفها ما زال في يده.  


شعرتُ بالدوار.  


أبعدتُ بصري سريعًا عن هذا المشهد، لكنني كنت أعلم أن تلك الصورة ستظل محفورةً في ذهني، ترافقني إلى الأبد.  


٣  

عدتُ إلى الداخل، أبحث عن شيءٍ يُعيدني إلى الواقع، شيءٍ يُبقيني على قيد الحياة وسط هذا الموت المستشري. توجهتُ إلى الجدار حيث الصور المعلقة، حيث الذكريات التي لم تزل تحتفظ ببعض الدفء. كانت صورتي هناك، حين كنتُ صغيرًا، يحيط بي والداي، وأختي الصغيرة تضحك بين أيديهما. كانت الابتسامات مشرقة، كأنها تنتمي لعالمٍ آخر، عالمٍ لم يكن فيه القصف والغازات السامة والدمار.  


مددتُ يدي لألمس الصورة، لكنَّ اهتزازًا عنيفًا جعل الجدار يرتج، وانزلقت الصورة من مكانها لتتهشم على الأرض. نظرتُ إلى الزجاج المكسور، وإلى وجوهنا المشروخة بين القطع المتناثرة.  


شيءٌ ما في داخلي انكسر معها.  


٤  

في الخارج، كان صوتُ انفجارٍ آخر يهزُّ السماء. لم أعد أقفز من مكاني كما كنتُ أفعل في الأيام الأولى، لم أعد أرتجف كلما دوّى صوتُ القصف. يبدو أنني تأقلمتُ مع الموت، أو ربما استسلمتُ له. لا أدري.  


سمعتُ أصواتًا في الممر، فتحتُ الباب ببطء، فرأيتُ أمي جالسةً في الظلام، تحتضن أختي الصغيرة بين ذراعيها، تدثرها بحجابها، وتتمتم بكلماتٍ لا أفهمها. ربما كانت دعاءً، ربما كانت رجاءً، أو ربما كانت مجرد تكرارٍ يائس لشيءٍ لم يعد له معنى.  


اقتربتُ منهما، جلستُ إلى جوار أمي، أبحثُ عن الدفء الذي يبدو أنه فارق المكان منذ زمن. نظرتُ إلى وجهها، كان شاحبًا، عيناها شاخصتان إلى نقطةٍ ما في الفراغ. لم تكن تبكي، بل كانت متحجرة تمامًا، وكأن الألم وصل إلى مرحلة لا يمكن للبكاء أن يعبر عنها.  


أمّا أختي الصغيرة، فقد كانت ترتعش بين يديها، دفنت رأسها في حضن أمي، وكأنها تحاول أن تحتمي بها من هذا الجحيم. مددتُ يدي ولمستُ شعرها، فشعرتُ بجسدها النحيل يهتز، أدركتُ أنها مستيقظة لكنها تختبئ في الصمت، ربما خوفًا من أن تسمع شيئًا آخر لا تريد سماعه.  


٥  

كان الزمن ينسابُ ببطءٍ قاسٍ، وكل شيءٍ يسير بنا نحو النهاية. لم أكن أعلم كيف ستكون تلك النهاية، لكنني شعرتُ بها تقترب، كأن الموت كان يتسكعُ في الأزقة، يطرقُ الأبواب بابًا بعد باب، يتفقد ساكني المدينة واحدًا تلو الآخر، يختار ضحاياه ببطء، ويتركُ خلفه أولئك الذين كتب عليهم أن يشهدوا المزيد.  


نظرتُ إلى أمي، إلى أختي، ثم عدتُ ببصري إلى النافذة، حيث كان الدخان يتصاعد في الأفق، والغبار يحجب النجوم. كان كل شيءٍ يوحي بأن الليل لن ينتهي، بأن الفجر لن يأتي، وبأن المدينة قد دخلت في غياهب العدم.  


لكن الأسوأ لم يكن قد حدث بعد.  


٦  

في اللحظة التالية، دوّى صوتٌ هائلٌ في السماء، مختلفٌ عن كل الأصوات السابقة. كان أشبه بعويلٍ قادمٍ من الجحيم ذاته. نظرتُ إلى الخارج، ورأيتُها.  


القذيفة الأخيرة.  


كانت تتهاوى كنيزكٍ من السماء، تحملُ في داخلها نهاية المدينة، تحملُ الخاتمة التي طال انتظارها. لم تكن مجرد قذيفة، بل كانت رسالة.  


ثم، جاء الدخان.  


دخانٌ أصفرُ كثيف، خرجَ من الانفجار كوحشٍ يلتهمُ الهواء، وبدأ يتسللُ إلى الشوارع، إلى البيوت، إلى الأزقة الضيقة. سمعنا الصرخات، الصرخات التي لم تكن كالسابق، كانت أشدَّ ألمًا، أشدَّ اختناقًا، كأن المدينة بأسرها تحاولُ أن تتنفس فلا تجد الهواء.


وقفتُ مذعورًا، نظرتُ إلى أمي، رأيتُ الذعر يتسللُ إلى عينيها، أدركتُ حينها أن ما كنا نخشاه قد حدث.  


"غازات..."  


قالتها بصوتٍ مرتجف، وأمسكت أختي بقوة، ثم التفتت إليّ.  


"أغلق الباب والنوافذ!"  


ركضتُ، دفعتُ النافذة بعنف، لكن الهواء المحمّل بالسموم كان قد بدأ يتسلل إلى الداخل. شعرتُ بالحرقان في عينيّ، وبدأ صدري يضيق، وكأنني أتنفس نارًا لا هواء. سمعتُ صوت أختي تسعل، وصوت أمي تتلو أدعيةً متقطعة.  


ثم... سقطتُ على ركبتي.  


الهواء صار ثقيلًا، رأسي يدور، والرؤية أمامي تتلاشى، تختلط الأشكال والأصوات، وأشعرُ وكأنني أغرق، أغرق في بحرٍ من الضباب الأصفر.  


وفي اللحظة الأخيرة، رأيتُ أمي تضمُّ أختي إلى صدرها، تحاولُ أن تحميها حتى آخر نفس، فيما كنتُ أنا...  


أسقطُ.  


ثم، صار كل شيءٍ أسود.  


...


 الفصل الثاني: نزوحٌ في الجحيم  






١  

أحسستُ بجسدي يرتجف، بين يقظةٍ وخدر، وكأنني عالقٌ بين عالمين، عالمِ الحياة الذي يتشبث بي بشظاياه الأخيرة، وعالمِ الموت الذي يُلوّح لي من بعيد. كنتُ أتنفس بصعوبة، رئتاي تشتعلان، الهواء من حولي صار كالسيف يقطع حلقي مع كل محاولة للنجاة.  


ثم جاء الصوت، ذاك الصوت الذي تردد في عقلي كرجع صدى بعيد، صوتٌ أعرفه تمامًا.  


"قم بسرعة، لا يمكننا البقاء هنا!"  


كانت أمي، ولكن صوتها كان مشوبًا بخليط من الرعب واليأس، صوت أمٍّ أدركت أنها تخوض معركةً ضد عدوٍّ لا يرى، ضد موتٍ يتسلل في الهواء نفسه، يحيط بها ويطوّق أبناءها كأفعى جائعة لا تفلت فريستها.  


فتحتُ عينيّ بصعوبة، أرى بوضوحٍ مشوش، الغرفة لم تعد كما كانت، الضباب الأصفر ما زال يملأ المكان، لكنه بدأ يتبدد مع تيارات الهواء القادمة من النافذة المحطمة. نظرتُ حولي، رأيتُ أمي تقبض على أختي الصغيرة، تضغطها إلى صدرها وكأنها تحاول أن تحميها بجسدها من شيءٍ لا يُمكن لمسه.  


أدركتُ أنني على وشك الغرق إن لم أتحرك الآن.  


٢  

تحاملتُ على نفسي، نهضتُ مترنحًا، رأسي كان ثقيلًا، أذناي لا تزالان تطنّان كأنني غارقٌ تحت الماء. شعرتُ بيدٍ قوية تجذبني، إنها أمي، وجهها كان مزيجًا من الحزم والرعب، عيناها تمسكان بي، تأمراني بالصمود دون أن تنطق بكلمة.  


"يجب أن نخرج، الآن!"  


أمسكتُ بيدها واندفعنا خارجًا، لا وقت للتفكير، لا وقت للتردد. الدرج كان مليئًا بأناسٍ يفرّون، جيراننا، أصدقاء الطفولة، كبار وصغار يركضون كما لو أن القيامة قد حلّت، وأصوات السعال تخترق الهواء كأنها أصوات أجراس حداد تُقرع بلا توقف.  


في الخارج، المشهد كان أقرب إلى الجحيم.  


٣  

كان الشارع يموجُ بالبشر، أشباحٌ تائهة تتدافع في كل الاتجاهات، وجوهٌ مصدومة، أجسادٌ تتساقط، صرخاتٌ تتلاشى في زحام الكارثة. الأطفال يُحملون على الأكتاف، النساء تتشبث بأبنائهن كأنهن يخشين أن يختطفهم الهواء المسموم من بين أيديهن.  


ركضنا مع الحشد، الهواء كان يثقل، رئتيّ تحترقان، وأمي ما زالت تمسك بيدي بقوةٍ وكأنها إن أفلتتني، سأضيع إلى الأبد. كنتُ أسمع أصواتًا تتلاشى وسط الصخب:  


"ساعدوني!"  

"طفلي لا يتحرك!"  

"إنه لا يتنفس!"  


لكن لا أحد كان يتوقف. لا أحد كان يستطيع أن يتوقف.  


٤  

المدينة التي عرفتها لم تعد موجودة.  


المباني، الشوارع، الأزقة، كل شيءٍ كان مغطى بالغبار، والدموع، والموت. رأيتُ رجلاً جاثيًا على ركبتيه وسط الطريق، يحملُ بين ذراعيه جسدًا صغيرًا هامدًا، يهزه بجنون، يصرخ باسمه مرارًا، كأنه يرفض أن يصدق أن الحياة قد فارقت صغيره.  


رأيتُ امرأةً تسقط على الأرض، تمد يدها نحو العابرين، لكن لا أحد يمد يده إليها. رأيتُ عيونًا زائغة، عيونًا تائهة، عيونًا لم تعد تعرف ما الذي تراه، وما إذا كان هذا حقيقةً أم كابوسًا أبديًا.  


وأنا، كنتُ جزءًا من هذا كله، أركض وسط الموت، أبحث عن مخرجٍ من هذا الجحيم الذي لا نهاية له.  


٥  

أمي كانت ما تزال تمضي بي إلى الأمام، خطواتها كانت تتعثر، لكنها لم تتوقف. أختي الصغيرة كانت تبكي بصمت، بالكاد تصدر منها أصوات، وكأنها أدركت أن حتى البكاء قد يكون خطيئة في هذه الليلة السوداء.  


"إلى أين نذهب؟" سألتُ بصوتٍ متحشرج، لكن أمي لم تُجب.  


لم تكن تعلم. لم يكن أحد يعلم.  


كان الناس يمضون بلا وجهة، بلا هدف، كأنهم يهربون من وحشٍ لا يمكن الفرار منه، وكأنهم يسيرون نحو مجهولٍ قد يكون أسوأ مما خلفوه وراءهم.  


في تلك اللحظة، أدركتُ الحقيقة المريعة: لم يعد هناك مكانٌ آمن.  


٦  

الهواء كان يزداد كثافةً، السماء أصبحت خليطًا من الدخان واللهب، ورائحة الموت كانت أقوى من أي شيء آخر. فجأة، سُمع دويٌّ هائل، اهتزت الأرض تحت أقدامنا، تطاير الغبار، وسقط البعض أرضًا من قوة الانفجار. لم أعد أعلم من أين تأتي الضربات، من السماء؟ من الأرض؟ أم من أيدٍ خفيةٍ تُمعن في سحق المدينة وأهلها؟  


"استمروا بالجري!" صرختُ، لم أكن أعلم لمن أوجه ندائي، لكنني شعرتُ أن الجميع بحاجةٍ إلى هذه الكلمات، حتى لو لم يكن هناك مكانٌ للفرار.  


أمسكتُ بيد أمي بقوةٍ أكبر، اندفعتُ معها إلى الأمام، عينيّ تبحثان عن طريق، عن ممر، عن أي شيءٍ يمكن أن يكون خلاصًا. رأيتُ عند نهاية الشارع بابًا حديديًا نصف مفتوح، يفضي إلى بدرومٍ تحت أحد المباني.  


"هناك!" أشرتُ، واندفعنا نحوه.  


٧  

دخلنا بسرعة، كانت الغرفة تحت الأرضية معتمة، مكتظةً بأناسٍ احتموا بها من الكارثة في الخارج. وجوههم كانت شاحبة، أنفاسهم لاهثة، وكأنهم خرجوا تواً من تحت الماء بعد غرقٍ طويل.  


جلسنا في زاوية، التفتُ نحو أمي، كانت ترتجف، أنفاسها متلاحقة، بينما تمسح على رأس أختي الصغيرة التي لم تعد قادرةً حتى على البكاء.  


كنتُ أرتجفُ أيضًا. ليس من البرد، بل من شيءٍ آخر. شيءٌ أعمق، شيءٌ أشبهُ بكابوسٍ أدركتُ أنه لن ينتهي حين أفتح عيني.


وفي الخارج، كانت المدينة تموتُ ببطء، أنفاسها الأخيرة تترددُ في الهواء المشبع بالدخان، وحكاياتُ الضحايا تتسرب في زوايا الليل.  


٨  

كان هذا المكان ملاذًا مؤقتًا، لكنني كنتُ أعلم، كما كان يعلم الجميع هنا، أنه لن يكون إلا محطةً قبل الفصل التالي من هذا الجحيم.  


فالموت، وإن كنا قد هربنا منه للحظات، لم يكن قد انتهى بعد.  


بل كان يترقبنا، هناك في الخارج، ينتظرُ فقط اللحظة المناسبة ليعود من جديد.  


...


 الفصل الثالث: أصداء الهاوية  







١  

كان العالم ينهارُ من حولنا، كل شيءٍ يتداعى، كل شيءٍ يتفكك كما لو أن المدينة بأكملها تتحولُ إلى غبار. لم يكن هناك متسعٌ للصوت، كان الصراخ يتلاشى وسط العويل، وكان الركض هو الفعل الوحيد الذي يعترف به هذا الليل.  


أمي أمسكت بيدي، شدّتني بقوةٍ جعلتني أشعر بأن عظامي ستتكسر، لكنني لم أشتكِ. كنتُ أعرف أنها تخشى أن أفلت منها، أن تضيعني كما ضاعت أشياء كثيرةٌ من بين أيدينا في هذه الأيام الأخيرة. على الجانب الآخر، كانت أختي الصغيرة تتشبثُ بلعبتها المهترئة، تضغطها إلى صدرها كما لو أنها الشيء الوحيد الذي يمنحها الإحساس بالحياة وسط هذا الطوفان من الفوضى.  


"استمروا في المشي، لا تتوقفوا!" كانت أمي تهمسُ لنا، رغم أن صوتها كان متحشرجًا، وكأنها تناضلُ لتحتفظ بقوةٍ لم تعد تملكها.  


لكن إلى أين كنا نمضي؟  


لم يكن هناك وجهةٌ واضحة، لم يكن هناك خط نجاةٍ نتمسكُ به. فقط كنا نسيرُ، كما يفعل الجميع، هاربين من موتٍ يلاحقنا، متجهين نحو مصيرٍ مجهول لا نعرف عنه شيئًا.  


٢  

الطريق كان يضيق، الشوارع صارت أضيق وأشد اكتظاظًا، والجدران من حولنا كانت تبدو وكأنها تتقوس فوق رؤوسنا، توشك أن تنهار في أي لحظة. كلما تقدمنا، كان الحشد يزداد كثافة، والأجساد تتدافع، والأنفاس تزداد ثقلاً، والهواء...  


الهواء كان يزداد سوءًا.  


أحسستُ بحرارةٍ تخترقُ صدري، بحرقانٍ في حلقي، بحاجتي الملحة للسعال. نظرتُ إلى أمي، رأيتها تغطي أنفها برداءها، تحاول أن تحجب السموم التي تملأ الأجواء، لكنني كنت أعلم أن هذا لن ينفع.  


سمعتُ من حولي سعالاتٍ متقطعة، شهقاتٍ مذعورة، أصواتًا تخنقها الغازات الزاحفة ببطء. رأيتُ رجلاً يتوقف فجأة، يضع يديه على رقبته، يلهثُ وكأنه يحاولُ انتزاع الهواء من بين أسنانه، ثم يسقطُ على ركبتيه بلا حراك.  


لكني لم أستطع التوقف.  


٣  

في هذه الفوضى، تعثرتُ.  


لم أكن أعرف كيف، لكنني وجدتُ نفسي فجأةً على الأرض، يداي ممدودتان على التراب، وركبتي ترتجفان من أثر السقوط. نظرتُ إلى الأعلى، رأيتُ أمي تستدير نحوي، وجهها كان مرعوبًا، لكنها لم تصرخ، لم تفقد السيطرة كما يفعل الآخرون.  


مدّت يدها نحوي.  


"انهض! لا تتوقف!"  


كان في صوتها شيءٌ جعلني أقف فورًا، لم أشأ أن أكون عائقًا، لم أشأ أن أكون الحلقة الأضعف التي تُفقدها السيطرة على هذا الهروب الجنوني. أمسكتُ يدها، وشعرتُ بضغطها القويّ وكأنها تريدُ أن تنقل لي شيئًا من قوتها، شيئًا يبقيني واقفًا على قدمي.  


ثم واصلنا السير.  


٤  

أختي الصغيرة كانت تتحرك ببطء، قدماها الصغيرتان بالكاد كانتا تواكبان خطواتنا المتسارعة، لكنها لم تبكِ. لم تقل شيئًا، فقط كانت تواصل المشي، تواصل الاحتفاظ بلعبتها بين يديها. نظرتُ إلى عينيها، ورأيتُ فيهما شيئًا غريبًا، شيئًا لم يكن يجب أن يكون في عيون طفلةٍ بعمرها.  


شيئًا يشبهُ الفهم.  


لم تكن بحاجةٍ لأن أخبرها أن هذا الوضع ليس طبيعيًا، لم تكن بحاجةٍ لأن أشرح لها أن العالم الذي وُلدت فيه قد احترق، وأن البراءة التي عاشت بها لم يعد لها مكانٌ هنا. كانت تدركُ ذلك بالفعل.  


وذلك الإدراك جعل قلبي ينكسر.  


٥  

الهواء كان يزداد كثافة، كأننا نسيرُ في بحرٍ من الضباب الأصفر، كل نفسٍ نأخذه كان يحملُ معه طعم الموت. رأيتُ الناس يتساقطون، البعض يتعثرُ ولا يستطيعُ النهوض، البعض يزحفُ بأظافره على الأرض، يحاولُ يائسًا أن يتقدم بوصةً واحدة بعيدًا عن هذا الهلاك البطيء.  


لكننا لم نتوقف.  


لم يكن بإمكاننا أن نتوقف.  


أمي كانت تمسكُ بنا كما لو أننا آخر الأشياء التي يجب أن تُنقذ، كأننا رمقها الأخير في هذه الحياة. كنتُ أشعر بضغط يدها يزداد قوة، كلما زادت سرعة خطواتها، كأنها تحاولُ أن تبعدنا قدر الإمكان عن شيءٍ لم نستطع رؤيته بعد، لكننا كنا نعلمُ أنه موجود، يقتربُ منا شيئًا فشيئًا.  


ثم، حدث ما لم يكن في الحسبان.  


٦  

كان هناك صوتٌ مختلف، صوتٌ لم يكن يشبه الانفجارات أو صرخات الهاربين، بل شيءٌ آخر.  


هديرٌ قادمٌ من السماء.  


رفعتُ رأسي ببطء، رأيتُ ظلًا يتحركُ بسرعة، لم أستطع أن أميز ما هو، لكنه كان يهبطُ، يزداد حجمًا، يزداد سطوعًا، كان أشبه بشمسٍ اصطناعية تهوي نحو الأرض.  


ثم...  


الوميض.  


ضوءٌ مبهرٌ شقّ السماء، كان أبيضَ خالصًا، ثم تحول في لحظةٍ إلى نارٍ متوهجة، كأن الشمس انفجرت على الأرض. شعرتُ بالحرارة تضربُ وجهي، بجسدي يُسحبُ إلى الخلف، سقطتُ على الأرض مرةً أخرى، سمعتُ صوت أمي تصرخ باسمي، شعرتُ بالحجارة تتطايرُ من حولي، بالهواء الساخن يضغط على صدري، يحاولُ أن ينتزع آخر أنفاسي.  


لكنني لم أمت.  


لم أمت، لكنني شعرتُ أن العالم كله قد انتهى.  


٧  

فتحتُ عيني ببطء.


كان الدخان يملأ المكان، الغبار جعل الرؤية شبه مستحيلة، كان هناك صمتٌ غريب، ليس صمتَ الهدوء، بل صمتَ الدمار، صمتَ الأماكن التي كانت تعجُّ بالحياة قبل لحظاتٍ قليلة، والآن لم يعد فيها سوى الركام.  


أردتُ أن أتكلم، أن أصرخ، أن أبحث عن أمي وأختي، لكنني لم أكن قادرًا على الحركة.  


رأيتُ الظلال تتراقص أمامي، أشباح الناجين تتهادى وسط الدخان، أيديهم تمتدُّ في الهواء، كأنهم يبحثون عن شيءٍ يمسكون به، عن حياةٍ هربت منهم فجأة.  


لكنني لم أكن قادرًا على فعل شيء.  


كنتُ هناك، راقدًا وسط هذا الدمار، بين أشلاء مدينةٍ تلفظُ أنفاسها الأخيرة، أشعرُ بأنني مجرد شبحٍ آخر، مجرد ظلٍ من الماضي الذي كان هنا ذات يوم.  


ثم، حلّ السواد.  


...


الفصل الرابع: انطفاء الضوء الأخير




١

الهواء كان ثقيلًا، مشبعًا برائحة الغبار والدم. لم يكن هناك صوتٌ سوى أصداء الدمار التي تهمس في أذني كأنها طيفٌ يرفض أن يختفي.


كنتُ راقدًا على الأرض، أشعر بأنني محاصرٌ داخل جسدي، داخل هذه اللحظة التي تأبى أن تمضي. رأسي كان يدور، وعيناي بالكاد تستطيعان التركيز وسط الدخان الكثيف الذي كان يغمر كل شيء.


ثم، تذكرتُ.


تذكرتُ يد أختي الصغيرة وهي تتشبثُ بي، تذكرتُ لعبتها الممزقة، تذكرتُ عينيها الواسعتين اللتين كانتا تبحثان عن إجابةٍ لم أسطع تقديمها.


فجأة، اجتاحني الرعب.


٢ -

حاولتُ النهوض، لكن قدميّ كانتا ثقيلتين، كأنهما مغللتان بأصفادٍ غير مرئية. تحاملتُ على نفسي، وضعتُ يدي على الأرض المرتجفة، دفعتُ جسدي إلى الأعلى، ثم رفعتُ رأسي ببطء، أتفحص ما حولي.


كان الدمار مطلقًا.


الحجارة متناثرة، الجدران منهارة، السماء كانت كالسخام، لا شيء سوى الرماد يتطاير كأشباحِ ذكرياتٍ أبت أن تندثر. كنتُ أسمعُ صوت الريح وهي تتخلل الأنقاض، تصدر أنينًا مروعًا كأنها تواسي المدينة التي تلفظُ أنفاسها الأخيرة.


ثم، وسط هذا الخراب، رأيتُها.


كانت ملقاةً على الأرض، جسدها الصغير ممددٌ فوق الركام، لعبتها لا تزال بين يديها، أصابعها متشبثةٌ بها كأنها آخر شيءٍ أرادت الاحتفاظ به قبل أن...


لم أستطع إكمال الفكرة.


٣

اندفعتُ نحوها، ركضتُ رغم أنني كنتُ أترنح، رغم أن الهواء كان يخنقني، رغم أن العالم كله بدا وكأنه يتلاشى من حولي. جثوتُ على الأرض بجانبها، أمسكتُ بكتفها، هززتها برفق، ثم بعنف، لكن جسدها لم يتحرك.


"أختي...!"


كان صوتي أشبه برجفةٍ مكتومة، كأنني خفتُ من أن أنطق اسمها بصوتٍ عالٍ، كأنني خفتُ أن تؤكد لي السماء ما كنتُ أرفض تصديقه.


وضعتُ يدي على صدرها، كان جسدها لا يزال دافئًا، لكن أنفاسها لم تكن هناك. كانت ملامحها هادئة، كأنها غفت للحظة، كأنها لم تشعر بكل هذا الألم، لكنني كنتُ أعرف. كنتُ أعرف أن البراءة التي سكنت عينيها قد رحلت، أن الضوء الذي كان يضيء وجهها قد انطفأ.


لم أستطع التنفس.


٤

سمعتُ خلفي صوت خطواتٍ متعثرة، ثم شعرتُ بيدٍ تُلامس كتفي. التفتُ ببطء، رأيتُ أمي، وجهها كان شاحبًا، شعرها مبعثر، عيناها مليئتان بالذهول والرعب، لكنّها لم تكن تبكي.


نظرتُ إليها، ثم عدتُ أنظر إلى أختي، كأنني لم أكن أريد أن أخبرها، كأنني أردتُ أن أؤخر هذه اللحظة قدر الإمكان. لكنها عرفت.


رأيتها تقترب، تجلسُ على ركبتيها، ثم تضع يديها المرتعشتين على جسد الصغيرة، تمرر أصابعها فوق جبينها كما كانت تفعل حين كانت تهدهدها للنوم، ثم احتضنتها.


حينها فقط، بدأ جسدها يهتز، كأنها كانت تكتم الألم في داخلها لكنه انفجر في النهاية. لم تصرخ، لم تنهار، فقط كان جسدها يرتجف وهي تضغط طفلتها إلى صدرها، كأنها تحاولُ أن تعيد إليها الحياة، كأنها تريدُ أن تمنع هذا العالم من أن يسلب منها آخر جزءٍ تبقى لها.


٥

كنتُ أشعر أنني منفصلٌ عن جسدي. لم أعد أسمعُ الأصوات من حولي، لم أعد أشعرُ بالبرد أو الحرارة، لم أعد أفهمُ الزمن. كنتُ فقط أحدّق في المشهد أمامي، أمي التي تضمُّ أختي بين ذراعيها، والدموع التي بدأت تتساقط من عينيها، والمدينة من حولنا، تحتضرُ مثلنا تمامًا.


"كان يجب أن نحميها..."


خرجتِ الكلمات من فمي دون أن أدرك، كانت جملةً هامسة، مكسورة، وكأنها محاولةٌ أخيرة للتمسك بمعنى في وسط كل هذا العبث. لكن لم يكن هناك شيءٌ يُقال، لم يكن هناك شيءٌ يمكن أن يغيّر الحقيقة.


لقد خسرناها.


٦

في تلك اللحظة، شعرتُ بأن العالم كله قد فقد لونه. لم يكن هناك سوى الرماد والدموع والصمت. لم يعد هناك مستقبلٌ يمكن التفكير فيه، لم يعد هناك شيءٌ سوى هذا الفراغ الذي يزداد اتساعًا في داخلي.


جلستُ على الأرض بجوار أمي، أراقب جسد أختي، أراقب لعبتها التي لا تزال بين يديها، أراقب آثار خطواتنا في التراب، وأفكر كيف كان يمكن للأمور أن تكون مختلفة.


لكنها لم تكن كذلك.


لم تكن كذلك، ولن تكون كذلك أبدًا.


٧

الريح كانت تئنُّ في الخلفية، والدخان كان يزحفُ ببطءٍ فوقنا، كأن المدينة بأكملها كانت تحزنُ معنا. لم أكن أعلم ماذا سيحدث بعد، لم أكن أعلم إن كنا سنبقى على قيد الحياة أم أن الموت سيلحق بنا قريبًا، لكنني كنتُ أعرف شيئًا واحدًا.


لم يعد هناك شيءٌ يُخيفني بعد الآن.


...


 الفصل الخامس: ظلّ العدالة البعيد  



١  

في ظلمة الغرفة التي لم تعد كما كانت، جلستُ وسط بقايا الذكريات. الغبار كان يتسلل ببطء إلى الزوايا، يغطي الأرض التي كانت تمتلئ ذات يومٍ بصوت خطواتها الصغيرة، يلقي ستارًا رماديًا فوق كل ما تركته خلفها.  


كل شيءٍ في هذه الغرفة كان يخصها، لكنه الآن أصبح ينتمي إلى الفراغ. لعبتها القديمة لا تزال على سريرها، الغطاء مطوي بعناية كما لو أنها ستعود إليه في أي لحظة، الكتب التي كانت تتصفحها بفضولٍ طفوليّ ما زالت مفتوحة على صفحاتها الأخيرة، كأنها تنتظرها لتكمل قراءتها.  


ولكنها لن تعود.  


الفراغ في الغرفة كان يصرخ بهذه الحقيقة، الجدران التي شهدت ضحكاتها كانت تهمس بها، الهواء الذي فقد عطرها كان يرددها بلا توقف.  


لكنني لم أكن أريد أن أصدق.  


٢  

كل زاويةٍ في المنزل كانت تذكرني بها. كنتُ أراها في الممرات، أسمع صوتها يتردد في الأرجاء، أشعر بخطواتها الخفيفة، لكنني في كل مرة أمدّ يدي لأمسك بها، لم أجد سوى الفراغ.  


في كل مرةٍ أغمضُ عينيّ، كنتُ أعود إلى اللحظات التي كانت فيها معنا، اللحظات التي لم نكن نعرف حينها كم كانت ثمينة. كنتُ أتذكر ضحكتها وهي تلهو، صوتها وهي تناديني، نظرتها عندما كانت تسألني أسئلةً لم أكن أملك إجاباتٍ لها.  


والآن، السؤال الوحيد الذي لا أملك له إجابة هو: لماذا؟  


لماذا اختطفها الموت بهذه القسوة؟ لماذا تُركنا نحن نحمل هذا الفراغ الثقيل؟ لماذا لم يكن هناك من يمنع هذه المأساة قبل أن تقع؟  


لكن الأسوأ من كل ذلك، لماذا لم يُعاقب أحد؟  


٣  

العالم لم يتوقف.  


السماء لا تزال زرقاء، الناس لا يزالون يسيرون في الشوارع، والقتلة لا يزالون يتنفسون نفس الهواء الذي تنفسته أختي قبل أن تفارق الحياة.  


كان يمكنني أن أقبل الموت لو كان مجرد حادثٍ عشوائي، لو كان مجرد قسوة القدر، لكن الحقيقة كانت أشد مرارة: هناك يدٌ آثمة انتزعتها من بيننا، هناك قاتلٌ يمشي على الأرض، وكأن شيئًا لم يحدث.  


كيف يمكن للعالم أن يسمح بذلك؟ كيف يمكن للعدالة أن تبقى صامتة بينما القاتل حرٌّ يواصل حياته؟  


كنتُ أريد أن أصرخ، أن أمزق هذا الصمت القاتل، أن أجعل الأرض تهتز تحت أقدام من تسببوا بكل هذا الألم، لكنّ العالم كان مغطى بطبقةٍ سميكةٍ من اللامبالاة.  


كأن روحها لم تكن تستحق الإنصاف.  


٤  

كنتُ أجلسُ في زاوية الغرفة، أحدّقُ في الفراغ، حين شعرتُ بيد أمي على كتفي. نظرتُ إليها، رأيتُ في عينيها نفس الحزن الذي ينهشني، نفس الغضب الصامت، نفس العجز أمام واقعٍ لا يرحم.  


"يجب أن نمضي..." همست، لكنها لم تكن تبدو مقتنعةً بما تقول.  


كيف يمكننا أن نمضي، بينما روحها لا تزال هنا، بيننا، تنتظر العدالة التي قد لا تأتي أبدًا؟  


كيف يمكنني أن أعيش، بينما القاتل يعيش أيضًا؟  


٥  

لكن هل العدالة مجرد محكمةٍ وحكمٍ وعقاب؟ أم أنها شيءٌ آخر؟  


هل العدالة هي أن نرى المجرم خلف القضبان، أم أنها أن نحافظ على ذكراها حية، ألا ندع ما حدث يمرّ بصمت، ألا نسمح للظلام بابتلاع صوتها؟  


ربما لن يأتي اليوم الذي أرى فيه من فعل هذا يُعاقَب، ربما لن أسمع اسمه يُنادى في قاعة المحكمة، ربما لن أرى العالم ينصفها كما تستحق.  


لكنني لن أنساها.  


ولن أدع أحدًا ينساها.  


٦-

خرجتُ من الغرفة، أغلقتُ الباب خلفي، لكنني لم أتركها هناك. حملتها معي، كما سأحملها دائمًا، في كل خطوة، في كل ذكرى، في كل لحظةٍ أعيشها دونها.  


قد يكون القاتل طليقًا، قد تكون العدالة بعيدة، لكن صوتها سيبقى، اسمها سيبقى، وستظل قصتها تُحكى، حتى لو رفض العالم أن يسمعها.  

قد لا أجد السلام أبدًا، لكنني لن أتوقف عن البحث عنه.  

لأنها تستحق ذلك.  

لأنها كانت الحياة، وكانت الضحكة، وكانت النور الذي أطفأه الظلم.  

ولأن الذكرى، في عالمٍ لا ينصف الأبرياء، هي آخر أشكال العدالة التي يمكننا أن نتمسك بها.  


_______________________

رحلتَ، والدمعُ انهمرْ
والقلبُ، آهٍ، قد انفطرْ
قد كنتَ لي نورَ القمرْ
يا ساكنَ الدارِ البعيدْ

قد غبتَ عن عينِ الحياةْ
لكنّ طيفَكَ ما فَنَـا
أبصرتُ في الأفقِ السَّـنَا
روحًا تسامى من جديدْ

قسماً بربِّ العارفينْ
لن يُطفِئوا ذاكَ اليقينْ
ذكراكَ في دربِ المُنَى
أملٌ يضيءُ ولا يُبيدْ

يا راحلاً، واللهِ أدري
أنَّ الفراقَ شديدُ أمرِ
لكنْ لقانا ليسَ يُذري
في جنةِ الرحمنِ عيدْ

_______________________


رحلَتْ كأنَّ النورَ أطبقَ وانطفى
وغدا المكانُ كريشةٍ في المُعصفى
أختاهُ، هل طيفُ السنينِ تلاشى؟
أم أنني في الحزنِ صرتُ المُتَّكَى؟

كانتْ تضيءُ الدربَ حينَ أضيعُهُ
واليومَ أمضي في الظلامِ مُكفكِفَا
كانتْ ترفرفُ كالعصافيرِ التي
غنّتْ صباحاً ثم خارتْ واختفى

أينَ الطفولةُ؟ أينَ صوتُكِ مُترعٌ
ضحكاً يَسُرُّ القلبَ إذْ كانَ الصفا؟
أينَ الدُّمى؟ أينَ الحكايا؟ أُخْتُهُ
هل كلُّ ما عشناهُ صارَ تكلُّفَا؟

قد كانَ بيتُكِ في المسا نورًا لنا
واليومَ قد صِرنا نُسَائِلُ مَنْ خَفَا
أواهُ! لو تدري السماءُ بفقدِها
لتصدَّعتْ ولَهالَها ما قد جَفَا

قسماً بمن رفعَ السماءَ فإنهُ
لن يسلمَ الجاني، ولن يُفلِتْ قفا
قسماً بمن كتبَ القضاءَ بحكمهِ
لن ينفعَ الطاغي عتادٌ أو خفا

إنْ كانَ في الدنيا الجُناةُ تسيدوا
فاللهُ في العقبى يعيدُ المُقتفى
يا قاتلي، أما خشيتَ مُؤجلاً؟
يومَ الحسابِ وقد يُذلُّ المُعتفى

إني نذرتُ بأن أُخلِّدَ ذكرَها
ما دامَ قلبي نابضًا لن يُضعَفَا
يا أختُ، يا روحًا ترفرفُ بيننا
إن غِبتِ عن عينٍ، فنبضُكِ مُكتفى

_______________________


تمّت.





إرسال تعليق

أحدث أقدم